أحمد بن محمد مسكويه الرازي

94

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

فاذن : الانسان من بين سائر الموجودات له فعل خاص به لا يشاركه فيه غيره ، وهو ما صدر عن قوته المميزة المروية ، فكل من كان تمييزه أصح ، ورؤيته أصدق ، واختياره أفضل ، كان أكمل في انسانيته . وكما أن السيف والمنشار ، وان صدر عن كل واحد منهما فعله الخاص بصورته الذي من اجله عمل ، فأفضل السيوف ما كان أمضى وانضر ، وما كفاه يسير من الايماء في بلوغ كماله الذي أعدّ له . وكذلك الحال في الفرس والبازي وسائر الحيوانات . فان الأفراس ما كان أسرع حركة وأشد تيقظا لما يريده الفارس منه في طاعة اللجام وحسن القبول في الحركات ، وخفة العدو « 1 » والنشاط ، فكذلك الناس أفضلهم من كان أقدر على افعاله الخاصة به وأشدهم تمسكا بشرائط جوهره التي تميز بها عن الموجودات فاذن الواجب الذي لا مرّية فيه ان نحرص على الخبرات التي هي كمالنا والتي من اجلها خلقنا ، ونجتهد في الوصول إلى الانتهاء إليها ، ونتجنب الشرور التي تعوقنا عنها وتنقص حظنا منها . فان الفرس إذا قصر عن كماله ولم تظهر افعاله الخاصة به على أفضل أحوالها ، حط « 2 » عن مرتبة الفرسية ، واستعمل بالإكاف « 3 » كما تستعمل الحمير ، وكذلك حال السيف وسائر الآلات ، متى قصرت ونقصت افعالها الخاصة بها حطت من مراتبها واستعملت استعمال ما دونها . والانسان إذا نقصت أفعاله وقصرت عما خلق له ، أعني أن تكون افعاله التي تصدر عنه وعن رؤيته غير كاملة أحرى بأن يحط عن مرتبة الانسانية إلى مرتبة البهيمية ، هذا إن صدرت أفعاله الإنسانية عنه ناقصة غير تامة . فإذا صدرت عنه

--> ( 1 ) . السرعة في الحركة . ( 2 ) . نزلت قيمته عمّا يراد منه . ( 3 ) . إكاف الحمار : برذعته .